روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
441
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال بعضهم : « الخشية » تصيب القلب ، و « السر » و « الخوف » تصيب البدن . قوله تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) : فيه وعيد لمن يضمر في خاطره ما لا يليق بالحق ، وكيف يخفى ما في القلب والعيوب من المعيبات المكنونة ، وهو موجدها ابتداء ، وعالم بها انتهاء ؛ لأنه من لطفه محيط بما في القلوب ، خبير بما يجري في الصدور . قال الواسطي : حجب الأشياء عن الوقوف على حقائقها ، واستبعد بمعرفة الحقائق ، فقال : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ . قال ابن عطاء : ألا يعلم من خلق الصدور ، وما يحدث فيها من حوادث العوارض . قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها : ذلّل للأرواح أرض القلوب يمشي في مناكب أسرارها ، وأقطار عقولها ، وسبيل أنوارها إلى عالم الغيوب ، فتأكل منها موائد المعارف ، وأثمار الكواشف . قال سهل : خلق اللّه الأنفس ذلولا ، فمن أذلّها مخالفتها فقد نجّاها من الفتن والبلاء والمحن ، ومن لم يذللها واتبعها أذلته نفسه وأهلكته . [ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 16 إلى 20 ] أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ ( 16 ) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ( 17 ) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 18 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ( 19 ) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ ( 20 ) قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ : إشارة إلى طيور الأرواح القدسية التي تطير في هواء الأزل والأبد بأجنحة الشوق والمحبة باسطات أجنحتهن ببسط الأنس ، قابضة لها برؤية عظمة القدس ، فهناك محل القبض والبسط ، ولولا فضله وكرمه لتفنى في بروز سبحات ذاته ، وتسقط من هواء هويته إلى أرض قهره . قال اللّه : ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ . قال الجريري : أشار الحق إلى أن يتوكل عليه الأولياء ، ويسكن إليه الأصفياء ؛ لأن الطيور لما صفا توكلهن على الحق طيّرهن في الهواء ، وقبض أجنحتهن ، وأمسكها صافات على ذكر اللّه ، فإذا توكل عليه الوليّ شوقا إلى الملك الأعلى طيّره بجناح الأنس في هواء المحبّة ، وأجلسه على بساط المعرفة ، ويقبضه الحق بقدرته ، ويمسكه بعواطف رحمته .